السيد كمال الحيدري

90

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

بيان ذلك : إنّ ما تقدّم من البيان كان حاصله : « هذا مترجّح ، وكلّ مترجّح إمّا واجب بذاته أو بغيره » . وكان أحد شقّي الترديد ، وهو كون ذلك الوجود المفروض واجباً بالغير أي ممكناً مستلزماً للواجب . ومن الواضح أنّ قولنا : « هذا ممكن ، وكلّ ممكن يستلزم الواجب » هو سلوك من المعلول إلى العلّة ، وهو إنّي لا يفيد اليقين . نعم ، الشقّ الأوّل من الترديد وهو كونه مترجّحاً بذاته فهو واجب بالذات ، ليس برهاناً إنيّاً ، لكن لمّا كانت النتيجة تابعة لأخس الشقّين ، فيكون هذا البرهان إنيّاً لا يفيد اليقين وإن كان في شقّه الآخر ليس كذلك ، وهذا كما أنّ الاستدلال من وجود أحد معلولي علّة واحدة يسمّى برهاناً إنيّاً ، مع أنّه في الحقيقة مركّب من سلوكين ، سلوك من المعلول إلى العلّة وهو الإنّ ، وسلوك من العلّة إلى المعلول الآخر ، وهو في نفسه برهان لمّي . وقد أشار صدر المتألّهين إلى هذا الإشكال بقوله : « ثمّ استشكلوا في كون البيان برهاناً ، بأنّ الاحتجاج منحصر في الإنّي واللمّي ، والواجب تعالى ليس معلولًا لشيء أصلًا ، بل هو علّة لجميع ما عداه ، فكلّ ما يستدلّ به على وجوده يكون دليلًا إنيّاً ، وهو لا يعطي اليقين » « 1 » . والجواب الذي ذكره المصنّف تبعاً لصدر المتألّهين بناءً على الضابط الذي ذكراه لبرهان اللمّ والإنّ أنّ الاستدلال ليس منحصراً باللمّي ( الذي هو سير من العلّة إلى المعلول ) ولا بالإنّي ( الذي هو سير من المعلول إلى العلّة ) وإنّما هناك قسم ثالث ، وهو الشبيه باللمّ ( الذي هو سير من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر ) وهو يفيد اليقين كما تقدّم . على هذا الأساس يُقال : إنّ الاستدلال المذكور ليس سيراً من المعلول إلى العلّة لكي يقال : إنّه لا يفيد اليقين ، وإنّما هو سير من أحد المتلازمين إلى

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 27 .